كريم نجيب الأغر

326

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

( CS )

--> - المذكورة أنزلت أساسا على هذا النحو لتبيان أن تخلّق العظام تدريجي ، وبأنّها تحيط بجميع جوانب تطوّرها ، فيزداد الإعجاز إعجازا . والأدلة هي كالتالي : أولا : إن الآية لا تنفي من الناحية البلاغية ، أن العظام تتطور أثناء وبعد الكسوة باللحم ، للسبب التالي : إن حرف « الفاء » جاء « للتفصيل بعد الإجمال » ( انظر شرح الرضي لكافية ابن الحاجب ، ق 2 ، م 2 ، ص 1309 ، للتعريف عن وظيفة « التفصيل بعد الإجمال » لحرف « الفاء » ) في قوله تعالى : فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً [ المؤمنون : 14 ] ، وهذه الوظيفة لا تنفي أن تمام العظام يكون بعد زمان طويل ، إن لم تشر ضمنيا إلى استمرارية تخلّقها ، وتأخر تمامها إلى ما بعد مرحلة كسو اللحم العظام . والتفصيل كالآتي : قبل الاسترسال في الكلام يتعيّن علينا أن نعلم أن « الفاء » تكون للترتيب ، سواء أكانت حرف عطف أم لا ، كما قرّر الرضي في شرح الكافية ( ق 2 ، م 2 ، ص 1308 ) ، وكما سنشير إليه في مبحث « الأسلوب القرآني في استخدام حرفي « ثم » و « الفاء » في آيات علم الأجنة » . وكما لا يخفى علينا ، فإن وظيفة حرف « الفاء » في قوله تعالى : فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً [ المؤمنون : 14 ] هي للعطف ، وكأن الآية تفيد : فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً ، وكسونا العظام لحما ، وهكذا نفهم أن هناك مرحلتين تحدثان للجنين : 1 - خلق المضغة عظاما . 2 - كسو العظام لحما . كذلك فهي تفيد الترتيب والتعقيب ( انظر مبحث « الأسلوب القرآني في استخدام حرفي « ثم » و « الفاء » في آيات علم الأجنة » ) ، وبالتالي فهي تفيد أن مرحلة كسو العظام لحما تأتي مباشرة بعد مرحلة المضغة عظاما ، وكأن الآية تفيد : فخلقنا المضغة عظاما ، ومن ثمّ كسونا العظام لحما . أضف إلى ذلك أن وظيفة « الفاء » المشار إليها في قوله تعالى : فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً [ المؤمنون : 14 ] تفيد « التفصيل بعد الإجمال » ؛ أي : أن اللّه تعالى أعلمنا إجمالا أن العظام تتخلّق من المضغة ، ومن ثمّ فصّل لنا ما ذا يحدث للعظام التي تخلّقت . وللعلم فإننا نرى أن هناك نوعين للتفصيل بعد الإجمال في مجال « الإعجاز العلمي في تخلق الجنين في القرآن والسنة » : 1 - تفصيل لمرحلة ذكرت بالإجمال ، من خلال سرد أحداثها فيما بعد ، عبر كلام يدخل عليه حرف « الفاء » . 2 - تفصيل لمرحلة ثانية تلي مرحلة أولى ذكرت بالإجمال ، وتعتبر امتدادا للمرحلة الأولى ، عبر إدخال حرف « الفاء » على الكلام الذي يفصّل المرحلة الثانية . ومثال النوع الأول الآية : وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ [ هود : 45 ] وقوله تعالى : وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ [ الأعراف : 4 ] . -